عثمان بن جني ( ابن جني )
166
الخصائص
مستحدثة لم تكن في الوقف ، وإنما اضطرّ إليها الوصل . وأما من رواه " منون أنتم " فأمره مشكل . وذلك أنه شبّه من بأىّ ، فقال : ( منون أنتم ) على قوله : أيّون أنتم ، وكما حمل هاهنا أحدهما على الآخر كذلك جمع بينهما في أن جرّد من الاستفهام كلّ منهما ؛ ألا ترى إلى حكاية يونس عنهم : ضرب من منّا ؛ كقولك : ضرب رجل رجلا ، فنظير هذا في التجريد له من معنى الاستفهام ما أنشدناه من قول الآخر : وأسماء ما أسماء ليلة أدلجت * إلىّ وأصحابي بأىّ وأينما " 1 " فجعل " أي : اسما للجهة فلما اجتمع فيها التعريف والتأنيث منعها الصرف . وأما قوله : " وأينما " ففيه نظر . وذلك أنه جرّده أيضا من الاستفهام كما جرّد أىّ ، فإذا هو فعل ذلك احتمل هنا من بعد أمرين : أحدهما أن يكون جعل ( أين ) علما أيضا للبقعة ، فمنعها الصرف للتعريف والتأنيث كأىّ ، فتكون الفتحة في آخر " أين " على هذا فتحة الجرّ وإعرابا ، مثلها في مررت بأحمد . فتكون ( ما ) على هذا زائدة ، و ( أين ) وحدها هي الاسم كما كانت ( أىّ ) وحدها هي الاسم . والآخر أن يكون ركّب ( أين ) مع ( ما ) فلمّا فعل ذلك فتح الأوّل منهما كفتحة الياء من حيّهل ، لمّا ضمّ حىّ إلى هل ، فالفتحة في النون على هذا حادثة للتركيب ، وليست بالتي كانت في أين وهي استفهام ؛ لأن حركة التركيب خلفتها ونابت عنها . وإذا كانت فتحة التركيب تؤثّر في حركة الإعراب فتزيلها إليها ؛ نحو قولك : هذه خمسة ، معرب ، ثم تقول في التركيب : هذه خمسة عشر ، فتخلف فتحة التركيب ضمّة الإعراب ، على قوة حركة الإعراب ، كان إبدال حركة البناء من حركة البناء أحرى بالجواز ، وأقرب في القياس . وإن شئت قلت : إن فتحة النون في قوله : ( بأىّ وأينما ) ، هي الفتحة التي كانت في أين ، وهي استفهام من قبل تجريدها ، أقرّها بحالها بعد التركيب على ما كانت عليه ، ولم يحدث خالفا لها من فتحة
--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لحميد بن ثور في ديوانه ص 7 ( الحاشية ) ، ولسان العرب ( أين ) ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2 / 239 ، ولسان العرب ( منن ) ، ( أيا ) . أدلجوا : ساروا من آخر الليل . وانظر اللسان ( دلج ) .